القرطبي
355
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الله بما آتاه . وقال ابن عطية : كان أبى رضي الله عنه يقول في قوله " أحسن عملا " : أحسن العمل أخذ بحق وإنفاق في حق مع الايمان وأداء الفرائض واجتناب المحارم والاكثار من المندوب إليه . قلت : هذا قول حسن ، وجيز في ألفاظه بليغ في معناه ، وقد جمعه النبي صلى الله عليه وسلم في لفظ واحد وهو قوله لسفيان بن عبد الله الثقفي لما قال : يا رسول الله ، قل لي في الاسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك - في رواية : غيرك . قال : " قل آمنت بالله ثم استقم " خرجه مسلم . وقال سفيان الثوري : " أحسن عملا " أزهدهم فيها . وكذلك قال أبو عصام العسقلاني : " أحسن عملا " أترك لها . وقد اختلفت عبارات العلماء في الزهد ، فقال قوم : قصر الامل وليس بأكل الخشن ولبس العباء ، قاله سفيان الثوري . قال علماؤنا : وصدق رضي الله عنه لان من قصر أمله لم يتأنق في المطعومات ولا يتفنن في الملبوسات ، وأخذ من الدنيا ما تيسر ، واجتزأ منها بما يبلغ . وقال قوم : بغض المحمدة وحب الثناء . وهو قول الأوزاعي ومن ذهب إليه . وقال قوم : ترك الدنيا كلها هو الزهد ، أحب تركها أم كره . وهو قول فضيل . وعن بشر بن الحارث قال : حب الدنيا حب لقاء الناس ، والزهد في الدنيا الزهد في لقاء الناس . وعن الفضيل أيضا : علامة الزهد في الدنيا الزهد في الناس . وقال قوم : لا يكون الزاهد زاهدا حتى يكون ترك الدنيا أحب إليه من أخذها ، قال إبراهيم بن أدهم . وقال قوم : الزهد أن تزهد في الدنيا بقلبك ، قاله ابن المبارك . وقالت فرقة : الزهد حب الموت . والقول الأول يعم هذه الأقوال بالمعنى فهو أولى . قوله تعالى : وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ( 8 ) تقدم ( 1 ) بيانه . وقال أبو سهل : ترابا لا نبات به ، كأنه قطع نباته . والجرز : القطع ، ومنه سنة جرز ( 2 ) . قال الراجز : * قد جرفتهن السنون الأجراز *
--> ( 1 ) ص 348 من هذا الجزء . ( 2 ) في ج : وسيف جراز . وفى اللسان : سيف جراز بالضم قاطع .